السيد محمد باقر الصدر
80
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
والبشرية . الظواهر الكونية والطبيعية كلها تحمل علاقة ظاهرة بسبب ، مسبَّب بسبب ، نتيجة بمقدمات ، هذه العلاقة موجودة في كل الظواهر الكونية والطبيعية . الغليان ظاهرة طبيعية مرتبطة بظروف معينة ، بدرجة حرارة معينة ، بدرجة معينة من قرب هذا الماء من النار ، هذا الارتباط ارتباط المسبب بالسبب ، العلاقة هنا علاقة السببية ، علاقة الحاضر بالماضي ، بالظروف المسبقة المنجزة . لكن هناك ظواهر على الساحة التاريخية تحمل علاقة من نمط آخر وهي علاقة ظاهرة بهدف ، علاقة نشاط بغاية أو ما يسميّه الفلاسفة بالعلّة الغائية تمييزاً عن العلة الفاعلية . هذه العلاقة علاقة جديدة متميزة . غليان الماء بالحرارة يحمل علاقة مع سببه ، مع ماضيه ، لكن لا يحمل علاقة مع غاية ومع هدف ما لم يتحوّل إلى فعل إنساني ، إلى جهد بشري ، بينما العمل الإنساني الهادف يحتوي على علاقة لا فقط مع السبب ، لا فقط مع الماضي ، بل مع الغاية التي هي غير موجودة حين إنجاز هذا العمل ، وإنّما يترقب وجودها . أي العلاقة هنا علاقة مع المستقبل لا مع الماضي ، الغاية دائماً تمثل المستقبل بالنسبة إلى العمل ، بينما السبب يمثل الماضي بالنسبة إلى هذا العمل . فالعلاقة التي يتميّز بها العمل التاريخي ، العمل الذي تحكمه سنن التاريخ هو أنّه عمل هادف ، عمل يرتبط بعلة غائية سواء كانت هذه الغاية صالحة أو طالحة ، نظيفة أو غير نظيفة ، على أي حال هذا يعتبر عملًا هادفاً ، يعتبر نشاطاً تأريخياً يدخل في نطاق سنن التاريخ على هذا الأساس ، وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول ، هذه الغايات حيث إنّها مستقبلية بالنسبة إلى العمل ، فهي تؤثّر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة ؛ لأنّها بوجودها الخارجي ، بوجودها الواقعي ، طموح وتطلّع إلى المستقبل ، ليست موجودة وجوداً حقيقياً ، وإنّما تؤثّر من خلال وجودها الذهني في الفاعل .